توطئة:
قدم رواد النهضة في القرن التاسع عشر مجهودات متنوعة ومتعددة في التعامل مع المشكلة الحضارية والإجابة عليها، وكان ذلك نتيجة وعي بالوضع الكارثي الذي آل إليه العالم الإسلامي، لكنهم اختلفوا في تصوراتهم حول تحقيق صحوة العالم الإسلامي. فرأى جمال الدين الأفغاني أن السبيل إلى ذلك هو في إقامة ''الجامعة الإسلامية'' قاصدا تلك "الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب" وكانت طريقته لذلك قوية عنيفة، إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء في الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هيناً ليناً يريد الجامعة الإسلامية عن طريق التربية والتعليم، في حين كان عبد الرحمن الكواكبي أقرب إلى جمال الدين الأفغاني، وكان أشد في محاربة الأمراء، وألف في ذلك كتاب (طبائع الاستبداد)، كما "ألف أم القرى لرسم خطة الجامعة الإسلامية".
إن القارئ الفاحص اليوم، يتوقف عند رجوعه إلى نصوص رواد النهضة الأولى على الجهد الفكري المبذول من قِـبَلهم لمواجهة الأوضاع الحضارية السائدة عندئذ، ويتوقف أيضا عند اتساع أثر ذلك الجهد في التحولات التي أمكن تحقيقها عربيا في وقت وجيز نسبيّا. لكن أكثر ما يلفت النظر عند مراجعة تلك النصوص هو احتفاظها براهنية عز نظيرها . فقد وعى الفكر النهضوي الحديث تعقد أسباب تخلف المسلمين وتقاطع مرجعياتها، ونظر إلى عناصر ثلاثة في معالجة هذه الأسباب: قراءة الأصول وتأويل التراث ونقد الحداثة. وكما حاولت بعض الاتجاهات إحياء المناهج التراثية في رؤية هذه المحاور الثلاثة، حاولت أخرى التجديد في منهج بناء الذات الإسلامية المعاصرة من خلال منهج إسلامية المعرفة أو المنهج الحضاري أو المنهج الموضوعي أو السياسي .
وفي وقت مبكر، نبه الكواكبي في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إلى أنه "يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد، ثم يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها بحيث يشغل ذلك أفكار كل طبقاتها". لم ينشغل الكواكبي كثيرا بالمنظومة الثقافية التي تنتج المستبد، بل توجه ناقدا إلى هذه الآلة الاستبدادية، وهي تفعل فعلها العجيب في امتهان المحكومين وتحويلهم إلى قطيع، يجب أن يسمع، وأن يمتثل لأوامر المستبد والذي -حسب الكواكبي- "يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتّداعي لمطالبته".
لقد أعادت الثورات العربية ثقة العرب بأنفسهم أفراداً وشعوباً، ونسخت مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وأحيت روح الكواكبي ونصائحه في مطلع القرن العشرين، فهذه الثورات المشرقة مرتبطة برؤية معينة للعالم، ولا تنفك عن تجليات ذلك في الاجتماع السياسي، فواقع الناس تصوغه أفكارهم عن الكون الحياة وفلسفة الوجود، حتى وإن لم يفلحوا في التعبير عن ذلك بمصطلحات فلسفية أو خطابات فكرية معقدة.
إن الثورة في بعدها النهضوي تكريس للقيم المثالية التي تعد أفقا يحرك تاريخ الوعي والفعل البشريين نحوهما. إنها ترسيخ لإنسانية الكائن الإنساني وكرامته، بوصفه كائنا واعيا وحرا وأخلاقيا، وفاعلا متحررا تنغرس فيه قيمة الحرية وما يرتبط بها من عدالة وانعتاق من الجبر الفكري والسياسي. ومن ثمة، فلا نهضة للفرد ولا للاجتماع الإنساني إلا بالتحرر من عائق الاستبداد بمدلوله الشامل، سواء كان استبدادا ثقافيا أو سياسيا أو اقتصاديا. وهذا هو القيد المستحكم لحركة النهضة والتحرر، والذي قامت الثورات العربية بتفكيكه. فليست فكرة الثورية الجديدة في عمقها الحضاري البنائي سوى حركة تحرير لطاقات الإنسان العربي والمسلم الإبداعية حتى يستعيد دورته الإيجابية داخل الحضارة وتنتقل به من إنسان الحقوق فقط إلى كائن يقدس الحقوق والواجبات معا.
يتجاوز العرب العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، حاملين معهم إخفاقات تمتد أكثر من مائة عام لنهضة لم تتحقق، فيما بقيت طوال قرن فائت أسئلة النهضويين الأوائل حول رفع الاستبداد وتحقيق والحرية والتقدم معلقة... لماذا تأخّرنا وتقدّم غيرنا؟!.. ظل هذا على رأس تساؤلات "النهضة" التي اعتمدت على تنظير النخبة منذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى انبلاج فجر "الربيع العربي" في تونس ومصر من بعدها.. وشقيقات عرب أخريات في الطريق إلى اكتمال ربيعها. كما لم يعد لهذا السؤال ذات الزخم الذي كان عليه بعد "صدمة نابليون" التي انطلقت من القاهرة ليصيب الشام وشمال غرب إفريقية حظ منها.. بعد أن ثارت الشعوب العربية في أكثر من بلد، ضد "الظلم" وطلبًا لـ"العدل".. رغبة فطرية لا تستقيم الحياة إلاّ بها ولا تُقام الدول إلاّ على دعائمها.. ولعل مسوّغات "التخلّف" التي أصّل لها المثقفون العرب الذين اعتقدوا الكمال في النموذج الغربي على مدى المائة عام الماضية، لم تعد هي ذات المسوّغات؛ إذ بدت الأسباب الحقيقية مطمورة خلف شعارات الثورة، حيث غابت لافتات "المطالب الاجتماعية" وحلّت محلها "المطالب السياسية"، وعلى رأسها "العدل" وإسقاط "دولة الظلم".. باعتبار أن ذلك هو بداية الفتح العربي الجديد نحو التألّق الحضاري والإنساني واحترام العالم للمواطن العربي.
يستضيف مركز (نماء) في هذا الحوار الدكتور سمير أبوزيد، أحد أبرز الفلاسفة العرب المتميزين بخطابهم المعرفي ورؤيتهم العلمية خصوصا فلسفة العلم وفلسفة الحضارة، كما أن اهتماماته النهضوية جعلته من أبرز المحترفين بشروط الاستنهاض العرب والمسلمين وأحد المهمومين بسؤال استئناف إشعاع الحضارة العربية-الإسلامية، وهو أيضا عضو الجمعية الفلسفية المصرية منذ عام 1990، و مؤسس ومدير موقع فلاسفة العرب، كما أحرز الدكتور سمير على جائزة "أهم كتاب عربي" عن كتاب "العلم والنظرة العربية إلى العالم" المقدمة من "مؤسسة الفكر العربي"، سنة 2010م . كما له كتاب "الثورات الشعبية العربية وتحديات إنشاء الدولة الحديثة" قيد الطبع خلال سنة 2011م. وذلك بهدف تحليل الثورات العربية في سياق منهج التفكير الكلي بوصفه مقاربة تكاملية تتعارض مع التجزيئية مستحضرين عند التفكير النهضوي الصورة بكل أبعادها وامتداداتها. كما إن الهدف هو تقديم مراجعة نقدية لفكر النهضة على ضوء ما استجد من تحولات وثورات وانتفاضات، مراجعة لا تستنسخ الواقع، بل تستشرف المستقبل مستندة إلى وعي وتقييم وتحليل نقدي للمستجدات والمتغيرات وإسقاطاتهما المباشرة وغير المباشرة على الفكر.